vendredi 18 février 2011

لم لا يعقد مؤتمر القمة العربية المقبل في تل أبيب؟


هيفاء زنكنة
2011-02-18

 
كنت على وشك ان أجعل العنوان اليوم 'لم لا يعقد مؤتمر القمة العربية المقبل في تل أبيب وليس في بغداد؟' الا ان غصة عجنت قلبي فتوقف القلم. لم يطاوعني القلب أن أضع اسم بغداد على مقربة من تل أبيب، ولو مجرد عنوان، فكيف استطاع البعض التعاون مع الغزاة على اذلالها وتدميرها؟ وكيف سيجلس 'القادة' العرب في 'قمة' الرؤساء والملوك، على جسدها الممزق تعذيبا واستباحة؟ أم ان للخنوع لذة وللزيف لذة، تتعطش اليها طبقة الملوك والرؤساء، مدى الحياة، ولا ندركها نحن البسطاء من المواطنين؟
منذ أشهر وحكومة الاحتلال تقرع طبولها الاعلامية معلنة أنعقاد القمة العربية ببغداد، في آذار/مارس المقبل، تقابلها من جهة أخرى طبول الحكومات العربية الراضية بالدعوة، المستعدة للحضور حالما تبنى الفنادق المجهزة، خصيصا لاستقبالهم.
يتصرف الطرفان وكأنهما باقيان أبد الآبدين، وكأنهما يمتلكان عقدا ابديا للتحكم برقاب الشعوب، أو كأن الشعوب غير موجودة اطلاقا.
لم يعترض أي رئيس او ملك على ما يجري في العراق المحتل من جرائم وحشية يندى لها جبين أي انسان شريف، ودفعت الشرفاء من كتاب وفنانين وناشطين وقانونيين، في جميع انحاء العالم، الى رفع اصواتهم والعمل على فضحها ومحاولة وضع حد لها، باستثناء 'القادة' العرب الذين ان نطقوا فلصالح المحتل أو القوى الخارجية الحامية لهم.
وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط قال قبل شهر بالضبط من طرد رئيسه، كاذبا ومشاركا في جريمة الصمت: 'ان بغداد خرجت او على بوابة الخروج من النفق المظلم الذي وضعت فيه خلال السنوات السبع الماضية وهذا ما شاهدته في زيارتي الاخيرة لها، اذ وجدت الكثير من التوازن بين القوى السياسية والكثير من النمو الاقتصادي'.
وتلاه عمرو موسى، الامين العام لجامعة الدول العربية، الذي تساءل متصنعا البلاهة: 'وما هو المطلوب؟ ان ندير ظهرنا للعراق او نعزله؟ ادعو الجميع الى التعقل'.
وكأن العراق هو حكومة الاحتلال والدفاع عنها وعن جرائمها اليومية ضد الشعب العراقي هو دفاع عن الشعب وليس شرعنة رسمية للاحتلال والمحتل وجرائمه. وكأن مقاومة الاحتلال جنون والكذب والخنوع تعقل! فأي منطق يقود مثل هذه 'القيادة'؟
انه المنطق المقلوب، واقفا على رأسه. لذلك، وبما ان الاعتراض الوحيد ضد تنظيم قمة الرؤساء في بغداد هو قلقهم وخشيتهم على سلامتهم وتأمين اماكن اقامتهم بما يليق باصحاب الجلالة والفخامة، وليذهب المواطن العراقي الى الجحيم، وليتنعم جلادوه بصحبة الرؤساء والملوك وموائدهم المقامة على دماء الضحايا، أقترح، تفاديا للمخاطر ان تعقد القمة في تل أبيب.
اذ ليس هناك من ينافس 'ديمقراطية' حكومة الاحتلال في العراق غير 'الديمقراطية' المتصهينة في اسرائيل. وليس هناك من ينافس حكومة الاحتلال في بناء القصور والفنادق الضخمة التي حفرت أسسها على أجساد المواطنين أكثر من اسرائيل.
وليس هناك من ينافس حكومة الاحتلال في قمعها وقتلها واعتقالها للمواطنين اكثر من اسرائيل. غير ان مسألة توفير الأمن ستبقى مثيرة لقلق الرؤساء والملوك، على الرغم من تأكيد وزير خارجية الاحتلال هوشيار زيباري لعمرو موسى 'ان الحكومة العراقية قد اتخذت اجراءات امنية كبيرة لتأمين اجواء عقد القمة وانها شكلت لجنة امنية عليا لضمان امن القمة.'
لذلك، من الطبيعي ان يرجح منظمو القمة إختيار تل أبيب مكانا لأنعقاد القمة لأن المنافس الوحيد للجنة الأمنية العليا (وما أكثرها في بغداد!) هو الموساد وجيش الاحتلال الاسرائيلي.
ولا بد ان يشعر الرؤساء والملوك بالقلق، هذه الايام على الأقل، من تصرفات 'شعوبهم' الذين باتوا يتصرفون وكأن لهم حقوقا في اوطانهم يطالبون بها، خاصة بعد ان تمكنت هذه الشعوب 'الناكرة للجميل' من طرد اثنين من الملتصقين حتى الموت بكراسيهم في تونس والقاهرة، فغادرا تحت جنح الظلام ومعهما الكراسي. والطامة الأكبر بالنسبة الى الرؤساء والملوك هي سلوك الشعب العراقي الجاحد لـ'نعمة' امريكا ومستخدميها وبركة 'صمت' الرؤساء والملوك التي 'حررت' العراق وأسست 'ديمقراطية' يغار منها القاصي والداني! فكيف يؤتمن شعب كهذا، يخرج الآن الى الشوارع في السليمانية، مطالبا بوضع حد لفساد وقمع قادة الحزبين الكرديين (سقط تسع ضحايا حتى يوم الجمعة)، وفي بغداد والكوت والسماوة والفلوجة والموصل وكربلاء مطالبا بالحقوق والعدالة والأمان والتحرير، بعد ان وفرت له امريكا وحكومة 'العراق الجديد' الدستور والفيدرالية والمعتقلات الحديثة، ومزادات بيع النفط، وحققت المساواة الجنسوية في اغتصاب الذكور كما الإناث في سابقة لم تحدث حتى في اكثر الدول الغربية تقدما؟
كيف يثق الرؤساء والملوك بشعب قاوم المحتل منذ اليوم الاول للغزو، على الرغم من تأكيدات مستخدمي الاحتلال بانه سيستقبل الغزاة بالورد والحلويات، وها هو، اليوم كما في الامس، ينزل الى الشوارع، ممارسا حقه في المستوى الثاني من مقاومة المحتل وهيمنته الاستعمارية مواجها رصاص قوى الاستخذاء والعبودية وباذلا حياته لتنظيف ذاكرته مما يسميه الاديب والفنان محمد سعيد الصكار: 'نفايات الوعود الكاذبة'؟ ان مظاهرات الشعب العراقي ولدت من رحم المقاومة المسلحة التي أجبرت جيش العدو الامريكي وحلفاءه على الانسحاب، جيشا بعد الآخر، وهي التي استنزفت اقتصاده وأوصلت مئات الآلاف من قواته الى حافة الجنون والاعاقة والانتحار. انها المقاومة المسلحة التي دفعنا ثمنها غاليا لنوقف التوسع الامبريالي في المنطقة. هذه حقائق يجب الا ننساها عندما نتحدث عن يوميات الشعب العراقي تحت الاحتلال وانتقاله الى مستوى آخر من المقاومة، مكملا وليس بديلا للمقاومة المسلحة. ان اطلاق النار على المتظاهرين ينزع آخر ما تبقى من ملابس الامبراطور. ان الثورة الشعبية في البلدان التي طالما أحصيت انفاسها تزحف الى ساحات المدن والعواصم، الى الشوارع لتستعيد ملكيتها بعد ان باتت لعقود محرمة عليها. شوارع وساحات ليبيا والأردن واليمن والجزائر والبحرين والسودان بعد تونس ومصر.
لهذه الاسباب، مجتمعة، ولكي لا يختنق الرؤساء والملوك العرب بنفايات وعود أيتام الاحتلال في العراق، ولكي يكون لديهم ملاذ جاهز لاستقبالهم حين تمتد ثورة الشعوب الى دولهم ويجبرون على الرحيل، ننصحهم بإقامة قمتهم في تل أبيب، حيث يتوفر لهم الأمن الاسرائيلي الامريكي المباشر. وليبتعدوا عن بغداد الأبية، الثائرة، التي ذاقت الأمرين، غزوا واحتلالا وظلما، ولم تستسلم، وما تحرك 'قادة القمة' قيد انملة لدعمها ونصرتها.

' كاتبة من العراق

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire