في أعقاب منح الفيفا حق استضافة نهائيات كأس العالم لعامي 2018 و2022 لروسيا وقطر على التوالي، لم تتوقف الصحافة البريطانية عن شن الهجمات تلو الأخرى على الفيفا واتهامه بالفساد، فهل كانت منصفة في ذلك؟
__________________________________________________________________________
وأضاف: "انه اتحاد مثالي، وأنه ليس بسبب حقيقة واحدة في 50 عاماً (في الإشارة إلى فضائح الفساد الأخيرة)، ينبغي علينا أن نغير كل شيء".
وبما يبدو أنه من المستحيل موافقة معظم المراقبين على ذلك، لأن في الواقع هناك أكثر من حقيقة فساد واحدة، إلا أنه بالتأكيد لا يمكن أن يستمر الفيفا بهذه الطريقة وهو الذي يختبئ وراء مركزه بوصفه منظمة لا تستهدف الربح بالإضافة إلى إنعدام الشفافية فيه.
ولكن هافيلانج، الذي يبلغ الـ94 عاماً ومايزال في كامل لياقته، أضاف شيئاً آخر وهو أمر يصعب دحضه: "كرة القدم اليوم هي القوة التي لا بد من الإشادة بها".
فبالتأكيد كان هناك توسع عالمي غير عادي للعبة منذ أن تولى المحامي البرازيلي منصبه رئيساً لفيفا عام 1974 خلفاً للانكليزي ستانلي رَوس.
فقد غزت كرة القدم أراضٍ جديدة بعدما خطط هافيلانج لعولمة اللعبة الجميلة. ونظراً إلى استمرارية ذلك من قبل خليفته سيب بلاتر، فإن كرة القدم حققت نجاحاً لا يمكن إنكاره.
وفي أيامنا هذه كرة القدم تولّد أنهاراً من الأموال بواسطة الرعاة وحقوق البث التلفزيوني، ويقال إن بعض من هذه الأموال قد تجد طريقها إلى حسابات مصرفية خاصة، ولكن الفساد حالة عرضية تدور خارج نجاح كرة القدم.
وقد يختلف بعض النقاد حول هذا الرأي، ولكن هناك من أيد التحقيقات التي قام بها عناصر في وسائل الإعلام البريطانية مؤخراً. فواحدة من المهمات النبيلة للصحافة هي جعل الأشخاص الذين في السلطة غير مرتاحين، فلا أحد أجبرهم ليصبحوا مسؤولين رياضيين. ومن الطبيعي يجب محاسبتهم على أعمالهم، لذا ينبغي أن تستمر أعمال التحقيقات للصحافة الحرة.
بالمقارنة مع إشكالات سنوات هافيلانج/ بلاتر، فإن بعضهم كان يشبّه الفيفا كنوع من "الفردوس المفقود" عندما كان رَوس يرأسه. ولكن سجلات كتب الفيفا لا تجعل هذه المقولة مؤثرة جداً.
فتحت إدارة الانكليزي هيمنت أوروبا على أروقة الفيفا، ومن مباريات الـ32 في نهائيات كأس العالم 1966، كان هناك 25 حكماً أوروبياً الذين لم يقدموا لبيليه أي حماية وبالتالي أقصيت البرازيل من البطولة، وبعدها كانت إدارة حكم مباراة فوز انكلترا 1- صفر على الأرجنتين في الدور ربع النهائي سيئة، وبالتالي أدت هذه البطولة إلى نفور دول أميركا الجنوبية.
وتوترت العلاقات مع افريقيا أيضاً، وذلك لسببين: أولاً، رَوس كان متردداً لمنحهم التأهل التلقائي لنهائيات كأس العالم وذلك باستخدامه الحجة القائلة "إن مستواهم في اللعبة لم يكن جيداً بما فيه الكفاية".
ولكن كيف يمكن تحسين مستوى دول افريقيا من دون اعطاءها الفرصة للتعلم على أعلى المستويات؟ وبعد ذلك كان هناك موقف رَوس لصالح النظام العنصري في جنوب افريقيا، وبدا حكمه في ذلك الوقت ضعيفاً ووفي وقت متأخير أصبح كارثياً.
بالإضافة إلى أن الكثير من الدول أعربت عن انزعاجها ونفورها من أحلك الفصول في تاريخ الفيفا: قرار السماح بإقامة المباراة الفاصلة لنهائيات كأس العالم بين تشيلي والاتحاد السوفياتي على الملعب الوطني في سانتياغو في تشرين الثاني 1973.
يذكر أن الجنرال أوغستو بينوشيه كان قد قام بإنقلابه في تشيلي يوم 11 أيلول من تلك السنة، واستخدم الاستاد الوطني معسكراً لحشد خصومه السياسيين فيه، فقتل المئات هناك وتعرض الآلاف للتعذيب.
وقبل أسبوعين من موعد إقامة هذه المباراة افرج عن بعض السجناء ونقل آخرون إلى مؤسسات أخرى وتم إزالة بقع الدماء على عجل. ورفض الاتحاد السوفياتي بشكل قاطع، وبكل حق، اللعب في ملعب مثل هذا.
واقترح أن إقامة المباراة في أوروغواي قد يعتبر حلاً وسطاً ومقبولاً، ولكن الفيفا أمر بالمضي قدماً في إقامتها. وفي نهاية المطاف نزل منتخب تشيلي إلى أرض الملعب من دون وجود أي خصم.
ويبدو أن اتخاذ مثل هذا القرار الخاطئ والفاضح، يشير إلى أن رَوس كان بعيداً بعض الشيء عن عمق كرة القدم على الساحة العالمية. ولكن في حين أن تحقيقات الصحافة البريطانية هاجمت هافيلانج وبلاتر إلى أقصى الحدود، فإنها كانت أقل ميلاً لتحويل بنادقها على عهد رَوس الذي حاول الاستمرار بالتمسك بمعنوياته العالية مع لهجته الخطابية الحماسية.
وقد تعود بعض مشاكل انكلترا مع الفيفا إلى ذلك الوقت. فهناك الآن بعض من كبار السن من المسؤولين في لجنته التنفيذية مع ذكريات عميقة. ومع بقاء انكلترا خارج اللعبة، بدأ مشروع هافيلانج/ بلاتر مواصلة مسيرته.
وسعي الاتحاد الدولي لكرة القدم لأخذ نهائيات كأس العالم في جولة على هذا الكوكب يجب أن يعتبر جديراً بالثناء ولكنه مريب على حد سواء. لماذا الثناء؟ لأن كرة القدم هي مُلك للشعوب. ومريب؟ لأن هناك دائماً خطورة إذ أن الجماهير في نهاية المطاف هي التي تدفع أكثر مما ينبغي للحصول على الامتياز والسعادة.
ويعتبر الفيفا قوياً جداً إلى درجة أنه قادر على أن يستأسد على الدول المضيفة، فمخاطر شؤونه الخاصة منخفضة ويحصل على أموال ضخمة من بيع حقوق البث التلفزيوني.
وفي غضون ذلك، يتلقى كل أنواع الإعفاءات الضريبية والضغط على الحكومات لإنفاق الأموال ليس فقط على البنية التحتية، بل أيضاً على الملاعب، التي بعض منها سيصبح مثل "الفيل الأبيض".
وفي العالم النامي، حيث أن للكثير من الحكومات أولويات ملحة أخرى، فإن ضغط الفيفا أصبح مدعاة للقلق. وعلاوة على ذلك، أن الانفاق على كل الملاعب والبنية التحتية يساعد حتماً على تحويل بعض الأموال إلى جيوب خاصة. فمرة أخرى يرتبط الفساد في كرة القدم بتوسيع اللعبة عالمياً.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire