يقف الكثيرون مستغربين الأسلوب الذي تمارس به الولايات المتحدة سياستها في العالم العربي، ويرى هؤلاء أن هذه السياسة لا تخضع لمنطق العقل أو المصالح السياسية المشروعة، ولعل من أهم ما كتب في هذا الموضوع مقالة تشاس فريمان بعنوان 'الولايات المتحدة والعالم العربي' وهي المقالة التي طالب فيها 'تشاس' الولايات المتحدة أن تبدأ في إعادة تقويم سياستها في المنطقة والتعلم من أخطائها ، ولكن ما هي هذه الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة؟
يقول تشاس إن الجهل المطبق وخاصة عند الفئات المتعلمة من الأمريكيين في القضايا المتعلقة بالعالمين العربي والإسلامي هو المسئول عن الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها الولايات المتحدة تجاه هذين العالمين خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وقال تشاس إن عدم فهم هذين العالمين جعل الولايات المتحدة تضفي على من تعتقد أنهم أعداؤها المفاهيم نفسها التي كانت تطلق على النازيين خلال الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا، وعلى السوفييت خلال مرحلة الحرب الباردة، ويبدو ذلك واضحا من وجهة نظره في إطلاق مصطلح الفاشية الإسلامية في وصف توجهات القاعدة، وربط هذه الفاشية بمفهومات الهولوكوست على الرغم من أنه لا توجد فاشية في المفاهيم الإسلامية الحقيقية.
وبدلا من أن يبدأ الأمريكيون التفكير لماذا ظهرت منظمات مثل القاعدة مناهضة لسياساتهم في العالم الإسلامي بدأ الاتجاه الأمريكي على الفور في الربط بين توجهات القاعدة وما كان سائدا في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية.
ويصف تشاس هذا السلوك الأمريكي بأنه ضرب من الجهل والارتباك بل والأنانية وهو الذي حول الأصدقاء العرب إلى شرذمة من الأعداء بما جلب كثيرا من العداء للولايات المتحدة في هذه المنطقة.
وأشار تشاس في ذلك إلى ما كان يقوله الإستراتيجي الصيني 'سوزي' من ضرورة أن يعرف الإنسان عدوه، وكذلك نفسه من أجل أن يكسب كل الحروب، وأما إذا كان البديل هو شيطنة الأعداء وغزو بلادهم من أجل الاستجابة لدواعي الهلوسة، فإن ذلك سيكون مدعاة للخسارة في جميع الجبهات.
ويذهب تشاس إلى أن ما يقوله لا يقلل من أخطار القاعدة من وجهة نظره، فقد تكون للقاعدة أخطارها ولكن يجب مواجهة هذه الأخطار بأسلوب غير الذي تواجهها به الولايات المتحدة في الوقت الحاضر عن طريق غزو البلدان وشن حرب على الإسلام بصفة عامة. خاصة أن الموقف من القاعدة لا يقتصر على الولايات المتحدة وحدها إذ كثير من الدول العربية والإسلامية تستشعر خطورة القاعدة ولا تقر أعمالها التي تراها مخالفة لتعاليم الإسلام الداعية إلى السلام والمحبة.
ويرى تشاس أن القاعدة قد تكتسب قوة مستقبلية، وقد تساعد حالة العداء للولايات المتحدة في داخل العالم العربي في تجنيد الكثيرين للعمل في صفوف القاعدة من أجل مواجهة سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، وقد يهدد ذلك أوضاع كثير من أنظمة الحكم التي تتعاون في الوقت الحاضر مع الولايات المتحدة.
ولا يقتصر الموقف من الولايات المتحدة في نظره على موقفها من القاعدة بل يتجاوز ذلك إلى الموقف من إسرائيل إذ أن الولايات المتحدة بدعمها لإسرائيل قد تخلت عن دور الوسيط العادل القادر على تحقيق السلام لتصبح هي نفسها جزءا من المشكلة التي استدعت ظهور تيارات جديدة مناهضة لسياساتها من منظورات عقدية وغير عقدية.
ولا يقتصر الأمر على ذلك بل إن تدخل الولايات المتحدة في أفغانستان من أجل ملاحقة العناصر المتطرفة في طالبان قد أدى إلى احتلال ذلك البلد وأوجد حركة عداء جديدة ضد الولايات المتحدة في العالم الإسلامي، ويقول تشاس إن خطأ مماثلا وقع عندما توجهت الولايات المتحدة لغزو العراق فدمرت ذلك البلد الذي أصبح من الناحية العسكرية محتلا بالولايات المتحدة ومن الناحية السياسية محتلا بإيران، ويرى أن مثل هذه التوجهات تتسم بدرجة عالية من الخطورة لأنها تقدم الحلول العسكرية في ميادين يمكن أن تحل فيها الأمور بأساليب سياسية.
ولا يرى تشاس أن أخطاء الولايات المتحدة تقتصر على ذلك، إذ هي تتكرر بأساليب مختلفة كما هو الشأن في لبنان حيث تشجع التناحر الحزبي والطائفي كما تقف حجر عثرة في حل المسائل العالقة بين سورية وإسرائيل ما يعني من وجهة نظره مزيدا من المشاكل في داخل لبنان.
وعلى الرغم من هذا النقد الذي يوجه إلى سياسة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي والذي يستهدف في الأساس مصلحة الولايات المتحدة أكثر مما يستهدف مصلحة هذين العالمين، فإننا نرى أن الموقف من إسرائيل يختلف تماما إذ يذهب كثير من الأمريكيين إلى التخلي عن منطق العقل عندما يبدون تعاطفا مع إسرائيل لأسباب لا علاقة لها بمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، إذ يرى الكثيرون أن اعتراف الولايات المتحدة بإسرائيل بعد دقائق من إعلانها في عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين لا علاقة له بمناورات الحزبين بل لأن البلدين يتشابهان في المبادئ التي يقفان خلفها وهي بالطبع ليست مبادىء الغزو والاحتلال بل مبادئ الحرية والديمقراطية والبحث عن السلام.
ومن أجل تحقيق ذلك فإن الولايات المتحدة لم تستخدم حق النقض الفيتو في مجلس الأمن حتى عام ألف وتسعمئة واثنين وسبعين ضد مشروع قرار سوري لبناني يدين إسرائيل، على الرغم من أنها وقفت محايدة في أربعة عشرين مشروع قرار ضد إسرائيل من قبل. وقد تبع ذلك القرار أن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض الفيتو في ما بعد ثلاثا وثلاثين مرة في مسائل كلها تتعلق بإسرائيل.
والغريب أن الولايات المتحدة كانت تفرض على إسرائيل حظرا في بيع الأسلحة عند إنشائها ولم يرفع هذا الحظر إلا في عام ألف وتسعمئة واثنين وستين عندما عقدت الولايات المتحدة صفقة لبيع صواريخ 'هوك' لإسرائيل، وتغير الأمر تماما بعد حرب الأيام الستة عندما أصبحت الولايات المتحدة مزودا أساسيا لإسرائيل بالسلاح.
ولعل الاسترسال في تحديد أوجه التعاون مع إسرائيل قد لا يضيف جديدا لأن العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة بلغت درجة من القوة تجعل تحديد مظاهرها غير مفيد من الناحية النظرية.
ولا نشك في أن مرحلة الحرب الباردة ساعد كثيرا على الانحياز الأمريكي لإسرائيل، ذلك أن ظهور أنظمة عسكرية في أماكن متعددة من العالم العربي خلال تلك الحرب جعل الولايات المتحدة تنحاز بصورة كاملة لإسرائيل، ولا ننكر أنه حتى ذلك الانحياز كان يتميز بغير قليل من الأخطاء الإستراتيجية، ذلك أن الولايات المتحدة تجاهلت حقيقة أن هناك شعبا فلسطينيا له قضية ويجب أن تحل وبدون هذا الحل لن يتوافر أمن لإسرائيل، كما أن إسرائيل نفسها بدأت تعيش مرحلة خداع للذات بتصورها أنها بامتلاك القوة والأسلحة النووية يمكنها أن تستمر في هضم حقوق الشعب الفلسطيني والاستمرار قوية في هذه المنطقة، ولكن الحقيقة تكمن في ما قاله الأستاذ محمد حسنين هيكل وهو أن إسرائيل لا مستقبل لها في هذه المنطقة، وخاصة من خلال النهج الذي تتبعه، لأن القوة في عالم متغير لن تكون هي الأداة الوحيدة لبقاء الدول، وإذا كان العالم العربي يعيش في الوقت الحاضر حالة ضعف فلا يعني ذلك أنه سيستمر في هذه الحالة إلى الأبد، وذلك ما يستوجب أن تعيد الولايات المتحدة التفكير من جديد في دعمها لإسرائيل وتبحث عن حل يحقق العدالة للشعب الفلسطيني ودول المنطقة، ولا يكون ذلك إلا بالخروج من حالة الجهل التي أشار إليها تشاس من قبل والتي قال إنها المسؤولة عن كل الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في سياساتها الخارجية.
' كاتب من السودان
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire